الأبشيهي

525

المستطرف في كل فن مستظرف

الفصل الثالث في التأسي في الشدة والتسلي عن نوائب الدهر قال الثوري رحمه الله تعالى : لم يفقه عندنا من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة . وقيل : الهموم التي تعرض للقلوب كفارات للذنوب . وسمع حكيم رجلا يقول لآخر : لا أراك الله مكروهاً فقال : كأنك دعوت عليه بالموت فإن صاحب الدنيا لا بد أن يرى مكروهاً . وتقول العرب : ويل أهون من ويلين . وقال ابن عيينة : الدنيا كلها غموم فما كان فيها من سرور فهو ربح . وقال العتبي : إذا تناهى الغم انقطع الدمع بدليل أنك لا ترى مضروباً بالسياط ولا مقدماً لضرب العنق يبكي . وقيل : تزوج مغن بنائحة فسمعها تقول : اللهم أوسع لنا في الرزق فقال لها : يا هذه إنما الدنيا فرح وحزن وقد أخذنا بطرفي ذلك فإن كان فرح دعوني وإن كان حزن دعوك . وقال وهب بن منبه : إذا سلك بك طريق البلاء سلك بك طريق الأنبياء . وقال مطرف : ما نزل بي مكروه قط فاستعظمته إلا ذكرت ذنوبي فاستصغرته . وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه يرفعه : يود أهل العافية يوم القيامة أن لحومهم كانت تقرض بالمقاريض لما يرون من ثواب الله تعالى لأهل البلاء . وروى أبو عتبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا أحب الله عبداً ابتلاه فإذا أحبه الحب البالغ اقتناه . قالوا : وما اقتناه قال : لا يترك له مالا ولا ولداً " . ومر موسى عليه الصلاة والسلام برجل كان يعرفه مطيعاً لله عز وجل قد مزقت السباع لحمه وأضلاعه وكبده ملقاة على الأرض فوقف متعجباً فقال : أي رب عبدك ابتليته بما أرى فأوحى الله تعالى إليه أنه سألني درجة لم يبلغها بعمله فأحببت أن أبتليه لأبلغه تلك الدرجة . وكان عروة بن الزبير صبوراً حين ابتلي حكي أنه خرج إلى الوليد بن يزيد فوطئ عظماً فما بلغ إلى دمشق حتى بلغ به كل مذهب فجمع له الوليد الأطباء فأجمع رأيهم على قطع رجله فقالوا له : اشرب مرقداً فقال : ما أحب أن أغفل عن ذكر الله تعالى فأحمي له المنشار وقطعت رجله فقال ضعوها بين يدي ولم يتوجع ثم قال : لئن كنت ابتليت في عضو فقد عوفيت في أعضاء . فبينما هو كذلك إذ أتاه خبر ولده أنه أطلع من سطح على دواب الوليد فسقط بينها فمات . فقال : الحمد لله على كل حال لئن أخذت واحداً لقد أبقيت جماعة . وقدم على الوليد وفد من عبس فيهم شيخ ضرير فسأله عن حاله وسبب ذهاب بصره فقال : خرجت مع رفقة مسافرين ومعي مالي وعيالي ولا أعلم عبسياً يزيد ماله على مالي فعرسنا في بطن واد فطرقنا سيل فذهب ما كان لي من أهل ومال وولد غير صبي صغير وبعير فشرد البعير فوضعت الصغير على الأرض ومضيت لآخذ البعير فسمعت صيحة الصغير فرجعت إليه فإذا رأس الذئب في بطنه وهو يأكل فيه فرجعت إلى البعير فحطم وجهي برجليه فذهبت عيناي فأصبحت